ساسي سالم الحاج
158
نقد الخطاب الاستشراقي
الودية التي حاولت إبرامها معه تجعل من هذه القصة مستحيلة الوقوع . إذ لا يكفي للملإ من قريش سماع هذه العبارة المزعومة حتى يخرّوا سجدا ، فالنزاع بين الطرفين أعمق من هذا بكثير . يضاف إلى ذلك كله استحالة انتشار نبأ القصة بتلك السرعة - في ذلك الزمان الذي يتميّز ببطء في الاتصالات والمواصلات - حتى تصل إلى الحبشة ، وحتى تعتقد الجماعة الإسلامية المهاجرة هناك أن الدعوة الإسلامية قد انتشرت في مكة . فتعود أدراجها دون أن تتحقق من صحة الخبر وهي التي لم تغادر دار مقامها إلّا ثلاثة أشهر قبل حصول هذه الواقعة . وأما من الناحية العلمية فإن أصل هذا الحديث مشكوك في صحته إذ لم يروه ثقة بسند سليم متصل ، مع ضعف نقلته واضطراب روايته ، وانقطاع إسناده ، واختلاف كلماته « 1 » . وأن محمد بن إسحاق عندما سئل عنها قال : هذا من وضع الزنادقة . وذكر ابن هشام - الذي جمع سيرة ابن إسحاق ودوّنها ، ونقدها ، وأضاف إليها ومحّص الروايات الواردة بها - نقلا عن ابن إسحاق : « وبلغ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، الذين خرجوا إلى أرض الحبشة ، إسلام أهل مكة ، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك ، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا ، فلم يدخل منهم أحد إلّا بجوار أو مستخفيا » « 2 » . وهكذا لم يتعرّض هذا المؤرّخ أصلا إلى أن سبب رجوع مهاجري مكة كان عائدا إلى قصة الآيات الشيطانية . وهو كما ترى من أقدم المصادر التي تناولت السيرة وأكثرها قربا من الحوادث الواقعة في الزمن المبكر للدعوة الإسلامية ولو كانت هذه الحادثة صحيحة لما غفل عنها ابن إسحاق أساسا . ولكن يبقى سؤال ينتظر إجابة شافية وهو : ما السبب الدافع إلى عودة المهاجرين من الحبشة بعد مغادرتهم مكة هربا من الفتنة والاضطهاد بهذه السرعة ؟ . والإجابة عن هذا السؤال تتحدد في سماعهم بتفشّي الإسلام بمكة بعد أن ترامى إليهم خبر الصلح بين الرسول وقريش ، والذي لم يكن مصدره تلك التسوية المزعومة بينه وبينهم بسبب حادثة الآيات
--> ( 1 ) النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، ج 16 ، ص . 235 وقد أورد النويري رأي القاضي عياض في توهين قصة الآيات الشيطانية طبقا لما ورد في كتابه « الشفا بتعريف حقوق المصطفى » . ( 2 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 364 .